جلال الدين الرومي
396
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
بيتا لنفسه قبل البيت الذي أمر به فقال الله تبارك وتعالى : يا داود بنيت بيتك قبل بيتي قال : أي رب هكذا قلت فيما قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد فما تم السور سقط ثلثاه فشكى ذلك إلى الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه إنه لا يصلح أن تبنى لي بيتا قال : أي رب ولِمَ ؟ قال : لما جرت عليك من الدماء ، قال : أي رب أوليس ذلك في هواك ومحبتك ، قال : بلى ولكنهم عبادي ، وأنا أرحمهم قال : فشق ذلك عليه فأوحى الله إليه أن لا تحزن فإني سأقضى ببنائه على يدي ابنك سليمان . فلما مات داود عليه السلام أخذ سليمان عليه السلام في بنيانه ( مآخذ 130 / 131 حلية الأولياء ج - 5 ص 246 - 247 ) ، تجرى الحكاية التي وردت في الرواية السالفة إلا فيما يتعلق بالحوار الذي جرى بين داود عليه السلام والله تعالى ، وتفسير أن الدماء التي سفكت على يد داود عليه السلام إنما كانت دماء أولئك الذين أسلموا الروح بتأثير جمال صوته عند المواعظ واعتذار داود عليه السلام بأنه كان مغلوبا والمغلوب كالمعدوم ويرد على الله سبحانه وتعالى : بأن المغلوب ليس معدوما ، فمتى يكون الفاني في الله معدوما والفناء هو عين البقاء ( انظر مقدمة الكتاب الثالث ) ومثل هذا المعدوم التي غلبت عليه المحبة هو أعظم من كل الموجودات ، إنه ليس مضطرا ولكنه مختار إنه مختار من الولاء ، ومن ثم فكل الموجودات تحت سيطرته ، وكل الأرواح والأجساد في مرمى سهمه ، إن منتهى الاختيار أن يكون اختيار المرء تحت سيطرة اختياره هو سبحانه وتعالى والاختيار نفسه لا معنى له إلا إذا محيت منه الأنية محوا تاما ، تسليم المرء وجهه ووجهته وضميره وسره للَّه سبحانه وتعالى ، وحين تنقطع اللذات الطبيعية أي حين يترك المرء لذائذ الدنيا تسفر له اللذة الباقية عن وجهها ، لذة تهون إلى جوارها كل اللذات ، أو كما يرى السبزواري : « منتهى الاختيار أن يذوب اختيار المحدود في اختيار الحق المطلق الموجود ( سبزوارى 4 / 270 ) ( انظر مقدمة الكتاب الخامس ) .